من مذكرات سجين من ذكريات سجين تعودت إلى درجة التآلف مع العتمة المطبقة ، والرائحة الكريهة ، وجدران الإسمنت الباردة الملطخة ، في زنزانة انفرادية حيث حشرت منذ شهور ... سنوات ... . بها لم أعد قادرا على تقدير ما مر أو بقي من الزمن . ليل دائم مسترسل ، يذكرني بعيش الكائنات القاطنة بكواكب غير تابعة لنظامنا الشمسي . ودعت الشمس وأنوارها لما عصب جلادي عيني وكتم أنفاسي وساقني إلى المجهول . تساءلت مرارا عما اقترفت من جرم ، فلم أعثر على جواب . ربما حدثت نفسي يوما همسا عن وطأة المعاناة ، أو حاولت النظر شذرا أو تحريك الشفة تعبيرا عن موقف قد يصنف ضمن: " جرائم المقاومين ( الإرهاب ) ... " . لست أدري . حرمت من الضوء والهواء والفضاء الشاسع ، فاستعضت عنها برحابة صدري واطمئنان نفسي ويقين معتقدي . لم يعد هناك فرق بين أن أجوب مسالك وأزقة مدينتي أو أن أتجول داخل زنزانتي ، أصغي إلى زقزقة الطيور الأسيرة فوق أبراجها ، وأستمتع بخرير الجداول المحملة بسيول الدم المسفوح ، وأتأمل وردا متفتحا ذا لون قاني متموج ، وتنبعث منه رائحة كريهة مقززة . عز علي بعدي عن قرطاسي وقلمي . تراكمت أمامي الأحداث فشرعت في تدوين مذكراتي بحلمة السبابة على حائط زنزانتي . ارتسمت كلها نقوشا محفورة في ذاكرتي ، تستعصي على المحو أو النسيان . الوقت ينساب ببطء شديد ، تكسر تموجاته الهادئة الرتيبة إطلالة السجان من كوة المراقبة ، لإلقاء قطعة خبز محشوة بقليل من العدس أو الحمص أو الذرة ، وأحيانا تصحبها قنينة صغيرة من الماء . إنها الوجبة اليتيمة في اليوم . في ليل بهيم تنازعني الموت والحياة . سلمت أمري واستسلمت ، فوفدت علي خطوات قادمة نحوي ، خلتها هواجس كسابقتها . هب ريح بارد كالسموم، وتسلل ضوء خافت لفني من كل جهاتي . فتح باب الزنزانةالحديدي ، وسمعت أحدهم يقول : رائحة كريهة هنا ، ألا زال هذا حيا ؟ دهسني بحدائه ، وخاطبني بلغته ، يسألني عن جرمي وفصيلتي ، تجاهلته كأني لم أفهم ، وأدرت وجي عنه ردا على إمعانه في إهانتي . لم يبق لدي ما أعتز وأفخر به سوى معتقدي وهويتي وكرامتي . أشار إلى مرافقيه ، نظفوه وعالجوه ليعرض بعد أيام على التحقيق . لسعتني أضواء الشمس وكأني أولد من جديد . قدماي لا تقوى على حملي . أطرافي ترتجف وتحول دون تحكمي في حركاتي . تكلم المحقق بلغته التي سلبت لبه وهيمنت على أحاسيسه ولسانه ، وأشار بكلتا يديه نحوي متسائلا أين وجدتم هذا ؟ عثرنا عليه في إحدى الزنزات المعدة للترميم والإصلاح ، وكلما نعلم عنه أنه هناك منذ سنوات . أطرق قليلا ثم أضاف : تخلصوا منه حالا ، عبئوه في كيس واطرحوه داخل وعاء القمامة بأحد شوارع المدينة ، لتنهشه كلابنا الضالة الموزعة هنا وهناك ... |